عبد الملك الخركوشي النيسابوري
322
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
47 - باب في ذكر ما انتهى إلىّ من الهواتف قال أبو سعد : اختلفوا في إثبات الهواتف ، فأثبتها قوم ونفاها آخرون ، ثم قال بعض المثبتين لها : إذا جاز أن يختلف الدعاة في العيان ، جاز أن يختلفوا في غير العيان . وقال بعضهم : ربما سبب اللّه تعالى تنبيه عبد من عباده من وجه هاتف ، إما بملك أو جنى صادق مسلم ، وقيل : هتف بك الحقّ بزواجر التنبيه عن التوريط في عين التمويه . أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكى ، حدّثنا أبو العباس محمد بن إسحاق ، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ، وأبو كريب محمد بن العلاء ، قالا : حدثنا وكيع ، حدّثنا علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن ، قال : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ « 1 » ، قلت : إنهم يقولون : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ « 2 » ، قال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد اللّه عن ذلك فقلت مثل الذي قلت : قال جابر : لا أحدثك إلا ما حدثنا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « جاورت بحراء ، فلمّا قضيت جواري هبطت ، فنوديت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ، ونظرت أمامى فلم أر شيئا ، فنظرت خلفي فلم أر شيئا ، فأتيت خديجة فقلت : دثّرونى وصبّوا على ماء بارا فدثروني وصبّوا علىّ ماء باردا » ، فنزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ « 3 » . وعن الحسن بن معاذ قال : كان بالبصرة رجل ورع ، وكان قد اعتقد أنه لا يترك شيئا من أجل شئ إلا من أجل اللّه تعالى ، فمر في بعض أسفاره في يوم صائف شديد الحر في صحراء ، وهو حافى فاحترقت رجلاه ، فعدل عن الطريق إلى ماء للقصارين فغمس رجليه فيه ، وجلس فإذا هو بقائل يقول له : من نسينا في اعتقاده نسيناه عند آفاته ، فنظر فلم ير شيئا ، فصاح صيحة فمات في مكانه . وعن أبي الحسين النوري قال : سألت اللّه عزّ وجلّ أن يخفينى في بلاده عن عباده ، فنوديت : يا أبا الحسن إنّ الحقّ لا يستره شئ . وعن إبراهيم الخواص قال : أويت ليلة في طريق مكة إلى خربة ، فمكثت فيها إلى بعض
--> ( 1 ) سورة المدثر : 1 . ( 2 ) سورة العلق : 1 . ( 3 ) سورة المدثر : 1 .